عندما تسمع في الأخبار عبارة “ظاهرة النينو”، قد تشعر أن هناك شيئًا مناخيًا كبيرًا قادمًا، لكنك لا تعرف بالضبط ماذا يعني ذلك. هل النينو موجة حر؟ هل هي سبب الأمطار الغزيرة؟ هل لها علاقة بالجفاف؟ وهل تؤثر على منطقتنا العربية مثل السعودية أو مصر أو بلاد الشام؟
الجواب المختصر أن النينو ليست عاصفة ولا منخفضًا جويًا يصل إلى بلد معين، بل هي تغيّر كبير يحدث في حرارة مياه المحيط الهادئ الاستوائي، ثم يؤثر في حركة الرياح والضغط الجوي وتوزيع الأمطار حول العالم. لذلك قد تسبب جفافًا في مناطق، وأمطارًا غزيرة في مناطق أخرى، وقد تجعل بعض السنوات أدفأ من المعتاد عالميًا.
ما هي ظاهرة النينو ببساطة؟
ظاهرة النينو هي حالة مناخية تحدث عندما ترتفع حرارة سطح مياه المحيط الهادئ الاستوائي، خاصة في وسطه وشرقه قرب سواحل بيرو والإكوادور، فوق معدلها الطبيعي لعدة أشهر متواصلة.
هذا الارتفاع في حرارة البحر لا يبقى داخل المحيط فقط، لأن المحيط الهادئ مساحة ضخمة تؤثر في الغلاف الجوي فوقها. وعندما تتغير حرارة المياه، تتغير معها حركة الرياح والسحب والضغط الجوي، فتبدأ آثار النينو بالظهور في مناطق بعيدة جدًا عن مكان حدوثها.
بمعنى أبسط: النينو تبدأ من دفء غير طبيعي في مياه المحيط، لكنها قد تنتهي بتغيرات في المطر والحرارة والجفاف والعواصف في أماكن متعددة من العالم.
هل النينو تعني أن الطقس سيصبح حارًا فقط؟
ليس دائمًا. صحيح أن سنوات النينو القوية غالبًا ترتبط بارتفاع متوسط حرارة الأرض، لكن النينو لا تعني “حرًّا فقط” في كل مكان.
في بعض المناطق قد تزيد فرص الجفاف وقلة الأمطار، وفي مناطق أخرى قد تزيد فرص الأمطار الغزيرة والسيول. وقد تجعل الشتاء أدفأ من المعتاد في أماكن، أو تغيّر مسار العواصف في أماكن أخرى. لذلك لا يمكن أن نقول إن النينو لها نتيجة واحدة ثابتة في كل دولة.
الأصح أن نفهمها هكذا: النينو تغيّر التوازن الطبيعي للطقس، لكن شكل التأثير يختلف من منطقة إلى أخرى.
لماذا تحدث ظاهرة النينو؟
في الحالة الطبيعية، تهب الرياح التجارية فوق المحيط الهادئ من الشرق إلى الغرب، فتدفع المياه الدافئة نحو غرب المحيط قرب إندونيسيا وأستراليا. وفي المقابل تصعد مياه باردة وغنية بالغذاء من الأعماق قرب سواحل أمريكا الجنوبية، وهذا يساعد على نشاط الحياة البحرية وكثرة الأسماك.
عند حدوث النينو تضعف هذه الرياح التجارية. وعندما تضعف، تبدأ المياه الدافئة بالتحرك نحو وسط وشرق المحيط الهادئ بدل أن تبقى في الغرب. هذا التغير يرفع حرارة سطح البحر في مناطق واسعة، ويؤثر في توزيع السحب والأمطار والضغط الجوي.
إذن السبب العملي الذي يهم القارئ هو أن ضعف الرياح التجارية يسمح للمياه الدافئة بالانتشار شرقًا، وهذا يغيّر نظام الطقس فوق المحيط، ثم تمتد آثاره إلى مناطق كثيرة.
ما تأثير ظاهرة النينو على العالم؟
تأثير النينو يختلف حسب قوة الظاهرة وحسب المنطقة. في بعض الدول قد يظهر التأثير على شكل جفاف طويل وموجات حر وحرائق غابات. وفي دول أخرى قد يظهر على شكل أمطار شديدة وفيضانات. كما قد تتأثر الزراعة، ومخزون المياه، وصيد الأسماك، وأسعار بعض المواد الغذائية.
من أشهر آثار النينو أنها تضعف صيد الأسماك قرب سواحل بيرو والإكوادور، لأن دفء المياه يمنع صعود المياه الباردة الغنية بالمواد الغذائية من الأعماق. وعندما تقل هذه المواد، تقل الأسماك أو تهاجر إلى مناطق أخرى.
كذلك قد تؤثر النينو على المحاصيل الزراعية، لأن الزراعة مرتبطة بالمطر والحرارة. فإذا جاء الجفاف في وقت حساس للمحصول، قد ينخفض الإنتاج. وإذا زادت الأمطار أكثر من اللازم، قد تتضرر المحاصيل أيضًا.
هل تؤثر النينو على الدول العربية؟
نعم، قد تؤثر النينو على منطقتنا، لكن ليس بطريقة مباشرة وبسيطة. لا يصح أن نقول مثلًا: “النينو تعني أن السعودية ستشهد أمطارًا كثيرة”، أو “النينو تعني أن مصر ستدخل موجة حر مؤكدة”. التأثير في الدول العربية غالبًا يكون غير مباشر، لأنه يمر عبر تغيرات في أنظمة الضغط الجوي، ومسارات الكتل الهوائية، والتيارات النفاثة، وتفاعلها مع عوامل أخرى قريبة من المنطقة.
لذلك إذا كان سؤالك هو: هل النينو تؤثر على السعودية أو مصر أو بلاد الشام أو المغرب العربي؟ فالجواب: قد تكون عاملًا من العوامل المؤثرة في الموسم، لكنها ليست العامل الوحيد. لا بد من متابعة التوقعات الموسمية المحلية، لأنها تجمع بين النينو وبقية العوامل المناخية القريبة من منطقتك.
بكلام بسيط: وجود النينو لا يكفي وحده للحكم على طقس بلدك، لكنه مؤشر مهم يجب الانتباه له ضمن الصورة المناخية الكاملة.
هل النينو تسبب أمطارًا أم جفافًا؟
النينو قد تسبب الاثنين، وهذا هو سبب الحيرة عند كثير من الناس. في منطقة ما قد ترتبط النينو بالجفاف، وفي منطقة أخرى قد ترتبط بالأمطار الغزيرة.
السبب أن النينو لا ترسل المطر مباشرة إلى بلد معين، بل تغيّر أماكن تشكل السحب ومسارات الرياح والعواصف. فإذا ابتعدت الرطوبة والأنظمة الممطرة عن منطقة معينة، قد يحدث جفاف. وإذا اقتربت منها مسارات العواصف والرطوبة، قد تزيد الأمطار.
لذلك عندما تسمع أن النينو بدأت، لا تسأل فقط: هل النينو قوية؟ بل اسأل: ما تأثير النينو المتوقع على منطقتي تحديدًا؟
ما الفرق بين النينو والنينا؟
النينو والنينا حالتان متعاكستان ضمن نظام مناخي واحد يعرف باسم “التذبذب الجنوبي للنينو”، ويشار إليه أحيانًا بالاختصار ENSO.
النينو: المرحلة الدافئة
النينو هي المرحلة الدافئة، وفيها تصبح مياه سطح المحيط الهادئ الاستوائي في وسطه وشرقه أدفأ من المعتاد. خلال هذه المرحلة تضعف الرياح التجارية، وتتحرك المياه الدافئة شرقًا، وتتغير أنماط المطر والضغط الجوي في مناطق واسعة.
النينا: المرحلة الباردة
النينا هي المرحلة الباردة، وفيها تصبح مياه سطح المحيط الهادئ الاستوائي أبرد من المعتاد، وتكون الرياح التجارية أقوى من الطبيعي. وغالبًا تكون تأثيراتها مختلفة أو معاكسة لتأثيرات النينو في عدد من المناطق، لكنها أيضًا لا تعطي نتيجة واحدة ثابتة في كل بلد.
المرحلة المحايدة
بين النينو والنينا توجد مرحلة محايدة، وفيها تكون حرارة سطح مياه المحيط الهادئ قريبة من معدلها الطبيعي. لكن هذا لا يعني أن الطقس سيكون طبيعيًا تمامًا، لأن هناك عوامل كثيرة أخرى تؤثر في المطر والحرارة كل موسم.
هل يمكن التنبؤ بظاهرة النينو؟
نعم، يمكن للمراكز المناخية مراقبة احتمال حدوث النينو قبل أشهر من خلال متابعة حرارة سطح البحر، وحركة الرياح، والضغط الجوي في المحيط الهادئ. لذلك نسمع أحيانًا عن توقعات تقول إن النينو قد تتطور أو تضعف خلال موسم معين.
لكن التنبؤ بوجود النينو شيء، ومعرفة تأثيرها التفصيلي على كل بلد شيء آخر. قد يعرف العلماء أن هناك نينو قوية، لكن تحديد كمية المطر في مدينة معينة أو شدة موجة حر في بلد معين يحتاج إلى توقعات محلية أقرب زمنيًا.
لذلك النينو تساعدنا على فهم الاتجاه العام للموسم، لكنها لا تغني عن النشرات الجوية والتوقعات المناخية المحلية.
هل ظاهرة النينو خطيرة؟
النينو ليست كارثة بحد ذاتها، لكنها قد تصبح مؤثرة إذا كانت قوية وحدثت في وقت حساس. خطورتها تأتي من النتائج التي قد ترافقها، مثل الجفاف، وموجات الحر، والفيضانات، واضطراب الزراعة، وتأثر صيد الأسماك، وارتفاع أسعار بعض الأغذية.
في السنوات الضعيفة قد تمر النينو بتأثير محدود لا يشعر به الناس كثيرًا. أما في السنوات القوية، فقد يكون أثرها واضحًا على مستوى العالم، خاصة في المناطق الأكثر حساسية للمطر والحرارة والزراعة.
لماذا سميت ظاهرة النينو بهذا الاسم؟
كلمة “النينو” إسبانية، وتعني الطفل الصغير أو الطفل المسيح. أطلق صيادو بيرو والإكوادور هذا الاسم على دفء المياه الذي كانوا يلاحظونه قرب فترة عيد الميلاد. ومع تطور العلم، أصبح الاسم يستخدم لوصف الحالة المناخية الواسعة المرتبطة بارتفاع حرارة مياه المحيط الهادئ الاستوائي.
الخلاصة: ماذا يعني خبر النينو بالنسبة لك؟
إذا قرأت أن ظاهرة النينو بدأت، فلا تفهم ذلك على أنه وعد مؤكد بمطر أو جفاف أو حر شديد في بلدك. المعنى الصحيح أن هناك تغيرًا كبيرًا في حرارة مياه المحيط الهادئ قد يؤثر في الطقس العالمي، وقد يرفع احتمال بعض الظواهر في مناطق معينة. أهم ما تحتاج معرفته أن النينو مرحلة دافئة في المحيط الهادئ تؤثر على المناخ، لكنها لا تعمل وحدها. تأثيرها على بلدك يعتمد على عوامل أخرى كثيرة، لذلك الأفضل متابعة التوقعات المناخية المحلية لمعرفة أثرها الفعلي على منطقتك. باختصار: النينو ليست طقس الغد، لكنها واحدة من أهم المفاتيح لفهم لماذا قد يأتي موسم ما أدفأ أو أكثر جفافًا أو أكثر اضطرابًا من المعتاد.
