Skip links

كيف أعرف أن طفلي يعاني من اضطراب التناسق الحركي النمائي؟

يتعثر طفلك كثيرًا، ويصطدم بالأثاث، ويسقط منه القلم والطعام، ويحتاج وقتًا طويلًا لارتداء ملابسه أو ربط حذائه. وفي المدرسة قد تكون كتابته أبطأ وأقل وضوحًا من زملائه، بينما يتجنب في الملعب ركوب الدراجة أو التقاط الكرة. لا تعني إحدى هذه الصعوبات وحدها أن الطفل مصاب باضطراب التناسق الحركي النمائي، فبعض الأطفال يكتسبون مهارة معينة ببطء أو يمرون بفترة يبدو فيها أداؤهم غير متناسق.

يصبح الأمر جديرًا بالتقييم عندما لا تقتصر المشكلة على التعثر وحده، بل تظهر في عدة مهارات حركية مناسبة لعمر الطفل، وتستمر رغم حصوله على فرص كافية للتدرب، ثم تبدأ بالتأثير في حياته اليومية: يتأخر في تجهيز نفسه، ولا ينهي الكتابة في الوقت المطلوب، ويتجنب اللعب والرياضة، أو يحتاج إلى مساعدة أكبر من أطفال عمره. هذا النمط قد يشير إلى اضطراب التناسق الحركي النمائي، ويُسمى أيضًا اضطراب التناسق التطوري أو DCD، وهو اضطراب يؤثر في تعلم الحركات المتناسقة وتنفيذها، وليس شللًا أو ضعفًا في ذكاء الطفل أو نتيجة للكسل.

متى يكون تعثر الطفل طبيعيًا ومتى يستحق الانتباه؟

يتعثر معظم الأطفال أحيانًا، وقد يحتاج الطفل إلى وقت إضافي ليتعلم ركوب الدراجة أو استخدام المقص أو ربط الحذاء. لذلك لا يُحكم على التناسق الحركي من موقف واحد، ولا من مقارنة سريعة بطفل متفوق في الرياضة. المهم هو مقارنة الطفل بما يُتوقع عادةً من عمره، مع مراعاة الفرص التي حصل عليها لتعلم المهارة.

يمكن الاطمئنان غالبًا عندما تكون الصعوبة محدودة في مهارة واحدة، ويتحسن الطفل تدريجيًا مع التدريب، ولا تمنعه المشكلة من اللعب أو التعلم أو الاعتناء بنفسه. أما الاشتباه باضطراب التناسق الحركي فيزداد عندما تجتمع ثلاثة أمور: صعوبات واضحة في أكثر من مهارة، استمرارها مدة طويلة رغم التدريب، وتأثيرها الفعلي في المدرسة أو المنزل أو اللعب.

على سبيل المثال، قد لا تكون صعوبة ربط الحذاء وحدها لافتة، خاصةً لدى طفل صغير لم يتدرب عليها كثيرًا. لكن الأمر يصبح أوضح عندما يعاني الطفل في الوقت نفسه من استخدام الأزرار، وتناول الطعام بأدوات المائدة، والكتابة، والتقاط الكرة، وصعود الدرج، ويحتاج في كل هذه المهام إلى جهد ومساعدة أكبر من أقرانه.

ما العلامات التي تظهر على الطفل في الحياة اليومية؟

لا تظهر علامات اضطراب التناسق الحركي بالطريقة نفسها لدى جميع الأطفال. قد تكون الكتابة هي المشكلة الأوضح لدى طفل، بينما تظهر لدى طفل آخر في الجري والتوازن وارتداء الملابس. لذلك ينبغي النظر إلى نمط الصعوبات كاملًا، لا البحث عن عرض واحد يؤكد الاضطراب.

أثناء المشي واللعب والحركة

قد يبدو الطفل كثير الاصطدام بالأبواب والطاولات أو يسقط أكثر من أقرانه، وتكون حركته في الجري أو القفز غير سلسة. وربما يجد صعوبة في الوقوف على قدم واحدة، أو صعود الدرج ونزوله، أو القفز بالحبل، أو ركل الكرة والتقاطها. وقد يستغرق تعلم ركوب الدراجة أو الدراجة ذات الثلاث عجلات وقتًا أطول بكثير مما توقعه الأهل.

العلامة المهمة هنا ليست أن الطفل ضعيف في الرياضة، وإنما أن الحركات الأساسية نفسها تحتاج منه إلى تركيز وجهد كبيرين، ولا تصبح تلقائية بسهولة حتى بعد التكرار. وقد يبدأ الطفل بتجنب اللعب الجماعي أو حصة الرياضة لأنه يعرف أنه لن يستطيع مجاراة الآخرين أو يخشى السقوط والسخرية.

أثناء الكتابة والأنشطة التي تستخدم اليدين

قد يمسك الطفل القلم بطريقة متعبة، ويضغط عليه بقوة، ويكتب ببطء شديد أو بخط يصعب قراءته مقارنةً بأطفال عمره. وقد يواجه صعوبة في نسخ الكلمات من السبورة، أو البقاء على السطر، أو ترتيب الحروف والمسافات، مع أنه يعرف الإجابة ويستطيع التعبير عنها شفهيًا.

وقد تظهر الصعوبة أيضًا عند استخدام المقص والمسطرة، وتركيب القطع الصغيرة، وفتح العبوات، أو التقاط الأشياء الدقيقة. بعض الأطفال ينجزون المهمة، لكنهم يحتاجون إلى وقت وتركيز أكبر بكثير، ثم يشعرون بالتعب أو الإحباط بسرعة. لذلك قد يبدو الطفل للمعلم مشتتًا أو بطيئًا، بينما تكون المشكلة الحقيقية أن الجزء الحركي من المهمة يستهلك معظم انتباهه.

أثناء ارتداء الملابس والعناية بالنفس

يمكن أن يواجه الطفل صعوبة في إدخال ذراعيه وساقيه في الملابس بالطريقة الصحيحة، أو التعامل مع الأزرار والسحّابات ورباط الحذاء. وقد يحتاج إلى المساعدة في استخدام الملعقة والشوكة، أو يسكب الطعام كثيرًا، أو يستغرق وقتًا طويلًا في تنظيف أسنانه وترتيب نفسه.

لا يُقارن الطفل هنا بأخيه الأصغر أو الأكبر، بل بما يستطيع معظم الأطفال في عمره القيام به بعد حصولهم على تدريب مناسب. ويستحق الأمر الانتباه عندما يبقى الطفل معتمدًا على والديه في مهام يفترض أن ينجزها بدرجة معقولة من الاستقلال، أو عندما تصبح فترة الاستعداد للمدرسة معركة يومية بسبب بطئه وصعوبة تنسيق حركاته.

السؤال الذي يكشف المشكلة بصورة أوضح

من أكثر الأسئلة فائدة للأهل: هل توجد مهارة حركية حاولنا تعليمها لطفلنا مرارًا، لكنها استغرقت وقتًا وجهدًا أكثر بكثير مما توقعناه؟ قد تكون المهارة هي ركوب الدراجة، أو ربط الحذاء، أو استخدام المقص، أو التقاط الكرة، أو الكتابة دون تعب. لا تثبت الإجابة وحدها وجود اضطراب، لكنها تساعد على اكتشاف الفرق بين طفل لم تتح له فرصة التعلم وطفل حصل على التدريب المناسب وما زال يجد صعوبة ملحوظة في تنفيذ الحركة.

ويُفضّل مراقبة الطفل في أكثر من مكان. إذا كانت الصعوبة تظهر في المنزل فقط، فقد تتعلق بطريقة تعليم مهمة معينة أو بقلة التدريب عليها. أما ظهور نمط متقارب في المنزل والمدرسة والملعب، مثل البطء في اللبس والكتابة وصعوبة الألعاب الحركية، فيعطي صورة أوضح عن وجود مشكلة عامة في التناسق الحركي.

هل صعوبة الكتابة أو التعثر تكفيان للتشخيص؟

لا يمكن تشخيص اضطراب التناسق الحركي من خلال التعثر أو رداءة الخط وحدهما. فقد يتعثر الطفل بسبب تشتت الانتباه، أو مشكلة في النظر، أو حذاء غير مناسب، أو عدم حصوله على خبرة كافية في اللعب الحركي. كما قد تنتج صعوبة الكتابة عن مشكلة تعليمية أو بصرية أو عن عدم إتقان شكل الحروف، دون وجود اضطراب عام في التناسق.

لذلك يبحث المختص عن صعوبات حركية أوسع، ويتأكد من أنها أقل بوضوح مما يُتوقع لعمر الطفل، وأنها تؤثر بصورة مستمرة في نشاطاته اليومية أو تحصيله المدرسي، وأنها بدأت خلال سنوات النمو المبكرة، ولا يفسرها مرض عصبي أو عضلي أو مشكلة بصرية أو تأخر نمائي عام بصورة أفضل.

اضطراب التناسق الحركي لا يُعد اضطرابًا في السمع أو القراءة والتهجئة بحد ذاته. لكن بعض الأطفال قد تكون لديهم إلى جانبه حالات أخرى مثل اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، أو عسر القراءة، أو اضطراب طيف التوحد. وجود صعوبة دراسية لا يعني تلقائيًا أنها ناتجة عن التناسق الحركي، ولذلك ينبغي تقييم كل جانب بصورة منفصلة.

كيف أفرق بين صعوبة حركية وكسل الطفل أو عدم اهتمامه؟

غالبًا لا يرفض الطفل المصاب بصعوبة حركية النشاط لأنه كسول، بل لأنه جربه مرارًا ووجده أصعب من الآخرين. قد يقول إنه لا يحب الرسم أو الرياضة، أو يطلب من والديه إلباسه، أو يتباطأ عند بدء الواجب، لأن المهمة تتطلب منه جهدًا كبيرًا وتعرضه للفشل أو الانتقاد.

راقبوا طريقة الطفل أثناء المحاولة. هل يريد النجاح لكنه يحتاج إلى تركيز شديد؟ هل ينظر إلى يديه وقدميه باستمرار ليضبط حركته؟ هل يتعب أو ينفعل بعد مهمة بسيطة؟ هل يتجنب النشاط بعد تجارب متكررة من السقوط أو الإخفاق؟ هذه الملاحظات أكثر فائدة من وصفه بأنه مهمل أو غير متعاون.

كما أن الطفل قد ينجح أحيانًا ويفشل في أوقات أخرى، خاصةً عندما يكون متعبًا أو مستعجلًا. هذا التفاوت لا ينفي وجود الصعوبة؛ فالمهارة التي لم تصبح تلقائية تحتاج إلى انتباه واعٍ في كل مرة، ولذلك يتراجع الأداء عند التعب أو وجود مشتتات.

متى ينبغي طلب تقييم للطفل؟

يُنصح بالبدء بمناقشة الأمر مع طبيب الأطفال عندما تكون الصعوبات مستمرة، وتظهر في أكثر من نوع من المهارات، وتؤثر في استقلال الطفل أو تعليمه أو مشاركته في اللعب. ومن المفيد أيضًا التحدث مع المعلم لمعرفة ما إذا كان يلاحظ بطئًا في الكتابة، أو صعوبة في استخدام الأدوات، أو تجنبًا للرياضة والأنشطة العملية.

قبل الموعد، يمكن تدوين أمثلة محددة بدل الاكتفاء بقول إن الطفل «غير متناسق». اكتبوا المهارات التي يجدها صعبة، ومدة استمرار المشكلة، ومقدار المساعدة التي يحتاج إليها، وما إذا كان يتحسن مع التدريب، وهل تظهر الصعوبة في البيت والمدرسة معًا. ويمكن الاحتفاظ بنماذج من كتابته أو سؤال المعلم عن الأنشطة التي يتأخر فيها.

قد يشارك في التقييم طبيب الأطفال، والمعالج الوظيفي، وأخصائي العلاج الطبيعي. ويُستخدم عادةً تقييم حركي معياري يقارن أداء الطفل بأداء الأطفال في عمره، مع تقييم أثر المشكلة في الكتابة واللبس والطعام واللعب. ويتولى الطبيب أيضًا استبعاد الحالات الأخرى التي قد تفسر الصعوبات الحركية.

هل يمكن تشخيص اضطراب التناسق الحركي قبل سن الخامسة؟

يمكن ملاحظة تأخر بعض المهارات الحركية في السنوات الأولى، مثل الجلوس أو المشي أو استخدام أدوات الطعام أو اللعب بالمكعبات. لكن الأطفال الصغار يختلفون كثيرًا في سرعة نموهم، وقد تتغير قدراتهم خلال مدة قصيرة، ولذلك لا يُثبت التشخيص عادةً قبل سن الخامسة إلا ضمن تقييم متخصص وظروف واضحة.

هذا لا يعني انتظار الطفل حتى الخامسة دون مساعدة. إذا كان التأخر واضحًا أو يعوقه عن الحركة واللعب والعناية بنفسه، فيمكن طلب تقييم النمو والبدء بدعم المهارات التي يجدها صعبة، حتى إن لم يوضع تشخيص نهائي بعد.

علامات لا ينبغي نسبها إلى اضطراب التناسق الحركي وحده

اضطراب التناسق الحركي يبدأ خلال مرحلة النمو، وتكون الصعوبات عادةً موجودة منذ وقت مبكر وليست مشكلة مفاجئة. لذلك يحتاج الطفل إلى فحص طبي دون تأخير إذا ظهرت صعوبة الحركة فجأة، أو كانت تزداد بسرعة، أو فقد مهارة كان قد أتقنها، أو ظهرت المشكلة بوضوح في جانب واحد من الجسم.

كما يستدعي الأمر تقييمًا طبيًا عندما توجد علامات مثل ضعف عضلي واضح، أو ألم مستمر، أو حركات لا إرادية، أو تغير في المشي، أو اختلاف ملحوظ بين الطرفين، أو تأخر واسع يشمل اللغة والفهم والتواصل إلى جانب الحركة. هذه العلامات لا تثبت وجود مرض خطير، لكنها قد تشير إلى سبب آخر يجب استبعاده بدل افتراض أن الطفل يعاني من اضطراب التناسق الحركي.

ماذا نفعل إلى أن يتم تقييم الطفل؟

لا تنتظروا التشخيص كي تخففوا الضغط عن الطفل. يمكن تقسيم المهمة إلى خطوات قصيرة، ومنحه وقتًا أطول للملابس والواجبات، واختيار أحذية وملابس يسهل التعامل معها، وتدريبه على مهارة واحدة في كل مرة بدل مطالبته بتحسين كل شيء معًا. وفي المدرسة قد يحتاج إلى وقت إضافي للكتابة، أو تقليل النسخ الطويل، أو استخدام أدوات تسهّل الإمساك بالقلم بحسب تقييم المختص.

الأهم ألا يُقارن الطفل بإخوته ولا يوصف بالكسل أو الغباء أو الإهمال. ركزوا على ما يستطيع فعله، واختاروا له نشاطًا حركيًا يستمتع به ويمكن تعديله وفق قدرته. فالهدف ليس إجباره على أن يصبح الأفضل في الرياضة، وإنما مساعدته على المشاركة والاستقلال دون أن تتحول الصعوبات الحركية إلى خوف من المحاولة أو شعور دائم بالفشل.

الخلاصة

لا يعني التعثر أو بطء الكتابة وحدهما أن الطفل مصاب باضطراب التناسق الحركي النمائي. يستحق الأمر التقييم عندما تظهر صعوبات مستمرة في عدة مهارات، مثل الجري والكتابة واللبس واستخدام الأدوات، وتكون أكبر مما يُتوقع لعمر الطفل وتؤثر في المدرسة أو اللعب أو اعتماده على نفسه. اجمعوا أمثلة واضحة من المنزل والمدرسة، ثم ناقشوها مع طبيب الأطفال بدل انتظار أن يتجاوز الطفل المشكلة وحده.

هل توجد ملاحظة علمية أو شيء آخر تودّ مشاركته؟ راسلنا عبر صفحة اتصل بنا.