يأخذ الطفل سياراته أو دماه، يدخل غرفة بعيدة عن بقية الأسرة، ثم يغلق الباب ويجلس مندمجًا في اللعب وحده. تكرار هذا المشهد قد يجعل الأب أو الأم يتساءلان: لماذا يبتعد عنا؟ وهل يمكن أن يكون هذا بداية توحد؟
هذا التصرف وحده لا يعني أن الطفل مصاب بالتوحد، ولا يؤدي اعتياده على اللعب منفردًا إلى إصابته به لاحقًا. فقد يختار الغرفة لأنها أهدأ، أو حتى لا يعبث أحد بألعابه، أو لأنه يريد إكمال قصة يتخيلها دون مقاطعة. الذي يحدد إن كان الأمر مطمئنًا ليس الباب المغلق، بل طريقة تواصل الطفل ولعبه في بقية اليوم: هل يستجيب لأهله، ويشاركهم اهتمامه، ويتحدث بما يناسب عمره، ويلعب أحيانًا معهم أو مع الأطفال؟ أم أن ابتعاده جزء من صعوبات أوسع في التواصل والتفاعل؟
لماذا يأخذ الطفل ألعابه ويذهب إلى غرفة أخرى؟
قد يكون الطفل مستمتعًا باللعب المنفرد ببساطة. بعض الألعاب تحتاج في نظره إلى تركيز وهدوء، خصوصًا عندما يرتب السيارات أو يبني بالمكعبات أو يصنع قصة بشخصياته. وقد يختار غرفة منفصلة لأن التلفاز مرتفع، أو لأن إخوته يأخذون ألعابه، أو لأن الكبار يقاطعونه ويطلبون منه الانتقال من مكان إلى آخر.
إغلاق الباب قد يكون طريقته البسيطة في قول: «لا أريد أن يفسد أحد لعبي الآن». وربما يكون قد شاهد أحد أفراد الأسرة يغلق الباب عندما يريد الراحة أو الخصوصية فقلّده، من دون أن يحمل التصرف معنى نفسيًا أعمق. وإذا كان الطفل يسمح لأهله بالدخول أحيانًا، أو يخرج بعد انتهاء اللعب ويعود إلى تواصله المعتاد، فهذا يختلف عن طفل يبدو منفصلًا عن الآخرين في معظم مواقف يومه.
أما إذا بدأ الانعزال فجأة بعد أن كان الطفل يحب اللعب مع الأسرة، فمن المفيد البحث عمّا تغيّر حوله. ربما أصبح أحد إخوته يضايقه، أو حدثت مشاجرات متكررة أثناء اللعب، أو تعرّض لموقف أخافه في الحضانة، أو صار المنزل أكثر ضجيجًا. هنا يكون التغير المفاجئ أهم من مجرد جلوسه وحده.
لا تحكموا من مكان اللعب وحده
قد يجلس طفلان وحدهما في غرفتين متشابهتين، لكن معنى السلوك يختلف بينهما. الأول يصنع أصواتًا للسيارات، ويتخيل حوارًا بين الشخصيات، ثم ينادي والدته ليريها ما بناه. أما الثاني فقد يكرر حركة واحدة بالألعاب مدة طويلة، ولا يلتفت عند محاولة مشاركته، وتظهر لديه أيضًا صعوبات في الكلام والإشارة والتواصل. لذلك ينبغي النظر إلى كيفية لعب الطفل وعلاقته بالآخرين، لا إلى كونه أغلق الباب فقط.
التوحد اضطراب نمائي تظهر علاماته في نمط متكامل من الاختلافات المتعلقة بالتواصل والتفاعل الاجتماعي، إلى جانب سلوكيات أو اهتمامات محدودة أو متكررة. وقد تظهر بعض هذه التصرفات لدى أطفال غير مصابين بالتوحد أيضًا؛ لذلك لا يمكن الاعتماد على علامة واحدة للتشخيص.
متى يكون اللعب المنفرد مطمئنًا غالبًا؟
يكون الأمر أقرب إلى الاختيار الطبيعي عندما يستطيع الطفل التواصل مع أهله خارج وقت لعبه المنفرد. فقد يلتفت عندما ينادونه، ويطلب ما يحتاج إليه بالكلام أو الإشارة، ويأتي إليهم طلبًا للمساعدة أو الحنان، ويلاحظ انفعالاتهم ويتفاعل معها. ومن العلامات المطمئنة أيضًا أن يريهم لعبة أعجبته أو يناديهم لمشاهدة ما صنعه، لأنه بذلك لا يستخدمهم للحصول على الأشياء فقط، بل يشاركهم اهتمامه وفرحته.
ومن المفيد ملاحظة طبيعة اللعب نفسه. إذا كان الطفل يحرّك السيارة وكأنها تسير في شارع، أو يطعم الدمية، أو يحوّل المكعبات إلى بيت، فهذا لعب تخيلي. كما يطمئن الأهل عندما يكون لعبه متنوعًا ومرنًا، ويتقبل أن يشاركه أحد أحيانًا، حتى لو فضّل إكمال بعض الألعاب وحده.
لا يُشترط أن يبحث الطفل عن رفقة طوال الوقت. ففي عمر السنتين مثلًا يلعب كثير من الأطفال بجانب بعضهم أكثر مما يلعبون معًا، ثم تتطور المشاركة تدريجيًا. وتشير المراحل النمائية إلى أن معظم الأطفال في عمر 30 شهرًا يلعبون بجانب أطفال آخرين ويشاركونهم أحيانًا، لكن ذلك لا يعني أن كل وقت لعبهم يجب أن يكون جماعيًا.
متى يحتاج التصرف إلى انتباه أكبر؟
يستحق الأمر مناقشته مع طبيب الأطفال عندما لا يكون اللعب المنفرد سلوكًا منفصلًا، بل ترافقه علامات أخرى متكررة. من ذلك ألا يستجيب الطفل لاسمه في مواقف كثيرة رغم سلامة سمعه، أو ألا يشير إلى الأشياء ليشارك أهله الاهتمام بها، أو نادرًا ما ينظر بين والديه والشيء الذي يلفت انتباهه. وتُعرف هذه المهارة باسم الانتباه المشترك، وهي جزء مهم من تطور التواصل عند الأطفال.
يزداد سبب الانتباه إذا كان لدى الطفل تأخر واضح في الكلام أو في استخدام الإشارات، أو كان لا يحاول مشاركة الآخرين بما يفعله، أو لا يظهر لعبًا تخيليًا مناسبًا لعمره، أو يكرر طريقة واحدة جامدة في اللعب ويغضب بشدة عند تغييرها. وقد يلاحظ الأهل أيضًا أنه لا يفضّل اللعب وحده في موقف معين فقط، بل يبدو غير مهتم بالتواصل مع الأسرة والأطفال في معظم المواقف.
لا تعني علامة واحدة من هذه العلامات وجود التوحد، لكن اجتماع عدد منها أو تأثيرها في حياة الطفل يستحق تقييمًا نمائيًا. أما فقدان كلمات أو مهارات تواصل كان الطفل يستخدمها سابقًا، فلا يُنتظر معه لمعرفة إن كان سيعود إلى طبيعته، بل ينبغي إبلاغ طبيب الأطفال.
كيف يراقب الأهل الطفل دون إخافته أو اختباره؟
يمكن للأهل ترك مساحة للطفل كي يكمل لعبه، ثم الاقتراب منه بهدوء وطلب المشاركة: «هل تسمح لي أن ألعب بهذه السيارة؟». المهم ملاحظة استجابته الطبيعية؛ فقد يرفض لأنه يريد إكمال فكرته وحده، وهذا لا يدعو للقلق بحد ذاته. لكن يمكن الانتباه إلى ما إذا كان يفهم الطلب، وينظر أو يجيب أو يشير، ويستطيع تبادل اللعب في أوقات أخرى.
من المفيد أيضًا مراقبته في مواقف مختلفة: عند تناول الطعام، وعندما يحتاج إلى مساعدة، وأثناء زيارة الأقارب، وفي الحضانة أو مع إخوته. قد يفضل الطفل غرفته في المنزل، لكنه يشارك الأطفال في الحضانة بصورة طبيعية. ويمكن سؤال المربية عما إذا كان يلعب بجانب الأطفال، ويستجيب لتوجيهاتها، ويشارك في بعض الأنشطة؛ فالصورة عبر أكثر من مكان أدق من الحكم عليه من مشهد واحد.
ولا يحتاج الأهل إلى مناداة الطفل مرارًا لاختبار استجابته، أو مطالبته بالنظر في أعينهم، أو إجباره على ترك لعبه والجلوس مع الناس. الضغط المتكرر قد يجعله يحمي لعبه أكثر ويغلق الباب لتجنب المقاطعة، فيبدو التصرف وكأنه يزداد بينما يكون ردًا على طريقة التعامل معه.
هل نسمح له بإغلاق الباب؟
يمكن احترام رغبة الطفل في اللعب بهدوء مع وضع قاعدة تناسب عمره وسلامته. فإذا كان صغيرًا ولا يمكن تركه دون مراقبة، يمكن إبقاء الباب مواربًا والقول له: «سأتركك تلعب وحدك، لكن الباب سيبقى مفتوحًا قليلًا حتى أطمئن عليك». بذلك لا يتحول فتح الباب إلى عقوبة أو اتهام، ولا تُترك سلامته من دون متابعة.
وفي الوقت نفسه يمكن توفير لحظات قصيرة للعب المشترك من دون سحب الطفل قسرًا من غرفته. قد يجلس الأب بجواره لبضع دقائق ويتبع فكرته في اللعب، أو يدعو طفلًا واحدًا يرتاح إليه بدل وضعه مباشرة في تجمع كبير. الهدف ليس منعه من اللعب وحده، بل التأكد من أن فرص التواصل واللعب المشترك موجودة في يومه.
متى يُسأل طبيب الأطفال؟
يمكن التحدث مع طبيب الأطفال عندما يستمر القلق، أو تظهر صعوبات في الكلام والإشارة والاستجابة والتفاعل إلى جانب اللعب المنفرد. سيقيّم الطبيب نمو الطفل وفق عمره، وقد يفحص السمع أو يستخدم استبيانًا نمائيًا، ثم يقرر إن كان يحتاج إلى تقييم متخصص. طلب التقييم لا يعني أن الطفل مصاب بالتوحد، بل يمنع بقاء الأسرة بين الاطمئنان العشوائي والخوف المستمر.
توصي الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال بإجراء فحص نمائي خاص بالتوحد لجميع الأطفال في زيارتي عمر 18 و24 شهرًا، إضافة إلى التقييم في أي وقت يظهر فيه قلق لدى الأهل أو الطبيب. وكلما وُجد تأخر حقيقي كان اكتشافه والتعامل معه مبكرًا أفضل.
الخلاصة
ذهاب الطفل بألعابه إلى غرفة منفصلة وإغلاق الباب لا يكفي للحكم بأنه مصاب بالتوحد. راقبوا تواصله في بقية اليوم: هل يستجيب، ويشارك اهتمامه، ويلعب بتخيل ومرونة، ويعود إلى أسرته ويتفاعل معها؟ إذا كانت هذه الجوانب موجودة، فغالبًا يريد مساحة هادئة للعب. أما إذا ترافق انعزاله مع تأخر أو فقدان في الكلام، وضعف واضح في التواصل ومشاركة الاهتمام، أو لعب شديد التكرار والجمود، فالأفضل مناقشة الصورة كاملة مع طبيب الأطفال.
