Skip links
رسم توضيحي للدماغ البشري موصول مع شريحة إلكترونية

شركة نيورالينك Neuralink

الرئيسية » المقالات » تكنولوجيا » شركة نيورالينك Neuralink

تدقيق لغوي: أ. موانا دبس

كثيراً ما نسمع عن حوادث مؤسفة قد تحدث للعديد من الأشخاص من شلل الأطراف وإصاباتٍ عصبية، مثل: انعدام الرؤية، والعته، وغيرها الكثير من الأمراض التي لا يزال الطبُّ يقف عاجزاً أمام إيجاد حلٍّ نهائي لها إلى يومنا هذا. إن التطور المستمر والاكتشافات العلمية في مجال الجراحة العصبية قد أعاد الأمل لهؤلاء المرضى باستعادة حياتهم الطبيعية، وآخر هذه الاكتشافات كان من شركة نيورالينك Neuralink وآخر أجهزتها رقائق N1.

هي شركةٌ خاصة تمَّ إنشاؤها في عام 2016 من قبل الملياردير الأمريكي أيلون مسك، وعدد من العلماء، والمهندسين، وتسعى هذه الشركة إلى تطوير شرائح وأجهزة حوْسَبة صغيرة يمكن زراعتها ضمن الدماغ، وذلك إما لاستعادة وظيفة مُعطّلة في جسم الإنسان أو منح الإنسان قدراتٍ جديدة، مثل: تعلم اللغات، وتقوية الذاكرة، وغيرها من الوظائف المختلفة.

بدأت هذه الشركة تجاربها على الحيوانات أولاً، وبعد عدة سنين من التجارب والنماذج الأولية نشرت شركة نيورالينك Neuralink أولى نتائج تجاربها في عام 2021، وذلك على صفحتها على اليوتيوب عبر نشر مقطع فيديو يظهر فيه قرد قادرٌ على تحريك مؤشرٍ على شاشة حاسوب باتجاه أهدافٍ معينة، وذلك بالاستفادة من شريحتين تمَّ زرعهما على جانبي دماغ القرد، ومن ثم يظهر القرد، وهو يلعب لعبة (Pong) بمهارةٍ عالية، وذلك دون تدخُّلٍ بشري فعلي، وأخيراً ظهر القرد نفسه، وهو يكتب على الحاسوب جملة I want to have snack.

ذلك الفيديو كان بمثابة نقطة التحول التي لفتت أنظار العالم نحو ما تسعى شركة نيورالينك Neuralink للوصول إليه، فهي بهذه التجربة استطاعت تسجيل الفعالية العصبية الدقيقة والمُعقدة، ومن ثم تحريض أجزاءٍ معينةٍ من دماغ القرد لتحقيق مهمّات تتطلب دقّة تناسق حركاتٍ غير موجودةٍ سابقاً لدى هذا القرد.

تسعى شركة نيورالينك Neuralink عبر هذا الفيديو إثبات أنه يمكن للأشخاص المصابين بالشلل الرباعي (عدم القدرة على تحريك أي طرف) أن يستعيدوا جزءاً من الوظائف الحركية المفقودة بالاعتماد على شرائح يتمُّ زرعها داخل جمجمة هؤلاء المرضى ليتمَّ تحفيز الأعصاب المُتضررة للعمل من جديد، أو لتوفير سبيلٍ جديدٍ يمكن من خلاله تحقيق التواصل بين الدماغ والطرف المُصاب، ولفهم التطبيقات العملية لهذه الشرائح يجب شرح آلية عمل الأعصاب المحيطية والمركزية أولاً.

كيف يتواصل الدماغ مع باقي أجزاء الجسم؟

تحتوي الجمجمة البشرية تحت طبقات الجلد والعظم على طبقاتٍ مُغلِّفةٍ للدماغ بشكلٍ لصيق، وتشكل قشرة الكرة المُخيّة (أكبر أجزاء الدماغ) المركز الأساسي الذي يصدر عنه الأوامر الحركية على شكل تنبيهاتٍ عصبيةٍ كهربائية، ويوجد ضمن هذه القشرة عددٌ ضخمٌ جداً من أجسام العصبونات المُتداخلة ببعضها البعض، والتي يصدر عنها محاويرٌ واستطالاتٌ (يمكن اعتبارها على أنها أسلاك توصيل) توصل الأوامر للعضلات الهدف سواءً في الأطراف، أو الوجه، وغيرها.

حيث تسلك هذه المحاوير بشكلٍ عام سبيلاً طويلاً يبدأ بالدماغ لتتصل مع أجسام عصبوناتٍ أخرى ضمن النخاع الشوكي لتخرج بعدها استطالاتٌ من الجهاز العصبي المركزي (الذي يتألف: من الدماغ، والنخاع الشوكي)، وتدخل الجملة العصبية المحيطية، والتي تنتهي بالوصول للخلايا العضلية الهدف، وتُحدث تنبيهاً كافياً لتقليص العضلات وتحريك الأطراف. [1]

يوجد كذلك سبيلٌ معاكسٌ للتنبيهات الحسّية حيث يبدأ بمكان التنبيه (الجلد، اللسان، العين، وغيرها)، وينتهي بالقشرة المُخية لتتمّ ترجمته لإحساس معين، وهذه السبل سواءً الحسية أو الحركية هي على درجةٍ مرتفعةٍ من التعقيد والتداخل فيما بينها. للحصول على تنبيهٍ حركي أو حسّي سليم يجب أن يكون كامل السبيل العصبي بدايةً من القشرة المُخيّة حتى نهاية السبيل عند العضو الهدف، وأي خللٍ بهذا السبيل سيؤدي إلى استجابةٍ غير سليمة أو عدم حصول أي استجابة.

وهنا تبدأ المشاكل الطبية حيث يعجز الطب المعاصر عن علاج الأمراض العصبية التنكسية، فإن أي إصابة ضمن هذا السبيل المُعقّد سيحرم الشخص المصاب من الاستفادة من العضو المتضرر، والعقبة الأكبر هي تحديد المكان الدقيق لهذا الضرر، وفي حالات الشلل الرباعي تحديد مكان الإصابة لا يعدُّ ذو فائدةٍ تذكر لأنه في معظم الحالات لا يمكن إصلاح أو إعادة توصيل السبيل المُتضرر (خاصةً في الجملة العصبية المركزية).

تستطيع الأجهزة المتوفرة في يومنا هذا تحديد الفعالية الكهربائية الدماغية EEG، وهذه الأجهزة ذات فائدةٍ جليةٍ في الأمراض التي تصيب البُنى العصبية ضمن الدماغ (أمراض الباركنسون والعته)، فهي قادرةٌ على تحديد المكان ذو الفعالية الكهربية المنخفضة، والذي قد يكون السبب في الأعراض الحركية أو الحسية التي يعاني منها المريض.

إلا أن أجهزة تخطيط EEG هي أجهزة كبيرة، وغير فعّالة في التتبُّع المستمر للفاعلية الكهربائية للدماغ (فهي أجهزةٌ كبيرةٌ نسبياً لا يمكن حملها باليد)، وهنا تظهر ميزات نيورالينك Neuralink والشريحة N1 Chip التي تعمل على تطويرها . [2]

الإصدار الأول من الشرائح التي تمَّ تطويرها من قبل نيورالينك Neuralink، والتي يتمُّ زرعها مباشرةً على سطح القشرة المُخيّة، الميزة الأساسية لهذه الشرائح هو القدرة على التسجيل المستمر والمباشر للفعالية العصبية الكهربائية للدماغ، وإرسال بيانات التسجيل لهاتفٍ محمول، أو جهاز حاسوب، وذلك عبر البلوتوث.

مما يجعل التتبُّع والتحديد الدقيق لأماكن النشاط أو الإصابة العصبية أفضل من أي وقتٍ مضى لأن التسجيل يتمُّ باستمرار، وبدون الحاجة لأسلاك توصيل أو أجهزةٍ ضخمة، وذلك عبر الاعتماد على ما يُسمّى بالخيوط (Threads)، وهي عبارةٌ عن خيوطٍ صغيرةٍ جداً، والتي تمثّل مسابر كهربائية تقيس النشاط بفعاليةٍ ودقةٍ عالية. [3]

ما الهدف من شرائح N1؟

ووفقاً لشركة نيورالينك Neuralink فإنه بالاعتماد على شرائح N1 يمكن للإنسان استعادة السيطرة على عدد من الوظائف العصبية المُعطّلة (أهمّها فقدان الوظيفة الحركية)، وذلك عبر خلق سبيلٍ بديلٍ للسُّبل العصبية المُتضررة بالاعتماد على هذه الشريحة.

ومن الواضح جداً أن الأهداف الأولية لهذه الشرائح هي أهدافٌ علاجيةٌ بحتة (لمرضى الشلل، والعته، والصرع، والباركنسون، وغيرهم) إلا أن الأهداف المستقبلية تبقى عديدة وغير محدودة، فيمكن تعلم اللغات بسرعة عبر تحريض الأجزاء المسؤولة عن تعلم اللغة، أو تقوية الاستجابة العضلية عن الأشخاص السليمين الذين لا يعانون من أي أمراض حركية أو عصبية.

في الواقع ووفقاً لمؤسس الشركة أيلون مسك من الممكن بالاعتماد على الإصدارات المطورة في المستقبل من إعادة إحياء أدمغة الموتى، وذلك عبر تسجيل جميع البيانات الموجودة داخل أدمغتهم ليتمّ وضع هذه البيانات من جديد ضمن جسمٍ بشريّ حيّ آخر.

بعد التجارب الناجحة على الحيوانات، تمَّ التصديق من قبل FDA للسماح بزرع الشرائح N1 داخل البشر في عام 2023 (وذلك بعد محاولةٍ فاشلةٍ سابقة للحصول على هذا التصريح) أي أن النتائج الفعلية لهذه الشرائح هو أقرب من أي وقتٍ مضى.

بالطبع هذا لا يعني عدم وجود أي عقباتٍ أمام هذه العملية، ففتح الجمجمة ونزع الطبقات المُغلفة للدماغ (ليتمّ زرع الشريحة على سطح الكرة المخية) هي من العمليات الصعبة، والتي تحمل العديد من الاختلاطات، كالإنتان، والتشوُّه، وعدم الالتئام الصحيح للعظم وصولاً إلى إصابة النسيج العصبي الدماغي، وكما أن قدرة هذه الشرائح في تتبُّع النشاط الكهربائي للدماغ البشري باستمرار لا تزال موضع شكّ لدى الكثير، بالإضافة إلى الأسئلة حول الأعطال الممكنة لهذه الشرائح والآثار التي قد تنجم عن هذه الأعطال، وغيرها الكثير من الأسئلة لم تتمّ الإجابة عنها بعد.

من الجدير بالذكر أن شركة Neuralink تواجه انتقاداتٍ لاذعة حول العالم لما تمّ الإبلاغ عنه من سوء معاملةٍ للحيوان وموت الكثير من القردة أثناء إجراء التجارب عليهم. وعلى الرغم من كل هذه العقبات التي تواجه شركة Neuralink إلا أنها قد تشكل علامةً فارقةً ومهمةً في سبيل علاج مرضى العديد من الأمراض التي لم يُعرف علاجٌ لها في السابق.

المراجع البحثية

1- Zayia, L. C. (2022, July 25). Neuroanatomy, motor neuron. StatPearls – NCBI Bookshelf. Retrieved July 13, 2023

2- Website, N. (2023, May 17). Electroencephalogram (EEG). nhs.uk. Retrieved July 13, 2023

3- Haji, M. (2023, March 15). A Technical Deep Dive on Elon Musk’s Neuralink in ~40 mins. Medium. Retrieved July 13, 2023

This website uses cookies to improve your web experience.