Skip links
تلسكوب هابل في الفضاء ويظهر خلفه مجرة لونها أحمر

تلسكوب هابل، عين البشرية الأولى على الفضاء

الرئيسية » فئة المدونة » الفضاء » تلسكوب هابل، عين البشرية الأولى على الفضاء

تدقيق لغوي: أ. موانا دبس

اعتمدت البشرية لمئات السنين على عدساتٍ مُقربة كبيرة من مراصد أرضية لمراقبة الفضاء، وكان ذلك يسمح بمراقبة المجرات والنجوم القريبة نسبياً من كوكبنا بشكل محدود، إلى أن تمَّ الإعلان عن إطلاق أول تلسكوب يرصد الفضاء من خارج الأرض، وسُمِّي بالتلسكوب هابل (بالإنكليزية Hubble Telescope).

ما هو أول تلسكوب فضائي؟

هابل هو أول تلسكوبٍ فضائيّ شكل قفزةً لا مثيل لها من حيث جودة الصور التي يممكن الحصول عليها بالمقارنة بما سبقه من صور تمَّ التقاطها للفضاء من مراصد أرضية. ففي السابق كانت الصورة الناتجة تتأثر بطبقات الغلاف الجوي، وبتقلبات الطقس، والعديد من العوامل الأرضية الأخرى، مثل: التلوث الضوئي، أما تلسكوب هابل فكان عبارةً عن تلسكوبٍ ضخمٍ جداً يدور حول الأرض، ويلتقط باستمرار صوراً للفضاء أثناء دورانه دون تأثره بالتقلبات المناخية أو التلوث الضوئي.

من لحظة إعلان وصوله إلى مداره في عام 1990، وبدئه التقاط الصور إلى يومنا هذا أنجز تلسكوب هابل أكثر من 1.5 مليون مهمة استكشافية قاطعاً ما يقارب 6.5 مليار كيلومتر أثناء دورانه حول الأرض، ومازال تلسكوب هابل حتى هذا اليوم يلتقط صوراً للمجرات المحيطة القريبة والبعيدة، وبفضل صوره استطاعت البشرية تفسير الكثير من الظواهر التي عجزت عن فهمها في السابق. إلا أن رحلة تلسكوب هابل لم تكن سهلةً، فمنذ البداية واجه تلسكوب هابل بعض التحديات غير المتوقعة.

ما الاكتشافات العلمية للتلسكوب هابل؟

بعد ثلاثة أشهر من وصول تلسكوب هابل إلى مداره في الفضاء وانفصاله عن المكوك الفضائي الناقل له، حصلت البشرية على أول صورٍ ملتقطةٍ للفضاء عن طريقه، والتي كانت بالفعل تتفوق على كل ما تمَّ التقاطه سابقاً من المراصد الأرضية. إلا أن الصور لم تكن بالجودة المتوقعة لها، مما دفع ناسا إلى إجراء تحقيقٍ لمعرفة ما قد يسبب نقصاً بجودة الصور، ليعلن في 1991 عن وجود مشكلة في تصنيع العدسات المكبرة للتلسكوب.وعليه توجب إجراء تبديلٍ لإحدى عدسات التلسكوب في الفضاء، في مهمة صيانة صعبة غير مخططٍ لها، وموقعها خارج الأرض.

إنجازات التلسكوب هابل

إن أول إنجاز تمكنت البشرية من تحقيقه عن طريق تلسكوب هابل هو القياس الدقيق للمسافة بين المجرات في الفضاء، وذلك عن طريق الاعتماد على النجوم القيفاوية أو النجوم متغيرة السطوع (بالإنكليزية Cepheid variable stars)، حيث إن مثل هذا النوع من النجوم ينبض (يصدر الضوء) دورياً بشكل ثابت، مما يجعلها نقاطاً مرجعيةً لقياس المسافات بين المجرات. أول من اعتمد عليها كنقاط قياس للمسافات المجرية كان العالم أدوين هابل (Edwin Hubble)،

وبالاعتماد على هذه الطريقة واستخدام تلسكوب هابل استطاعت البشرية تحديد بُعد المجرة messier-81 عن الأرض بدقة بعد رصد عدة نحوم قيفاوية داخل هذه المجرة[1]. كانت التقديرات حول عمر هذه المجرة غير ثابتة سابقاً (كانت الأرقام المتوقعة تتراوح من 4 إلى 18 مليون سنة ضوئية)، لكن استطاع تلسكوب هابل من رصد نجم قيفاوي ضمن هذه المجرة مما مكن من وضع تقديرٍ دقيقٍ لعمر هذه المجرة بحوالي 11 مليون سنة ضوئية. [2] هذه النتيجة كانت حجر الأساس في تحديد العمر التقريبي للكون.

قانون هابل

أكد العالم هابل في السابق على وجود علاقة بين سرعة حركة المجرات بعيداً عن الأرض والمسافة التي تفصلها عن الأرض، وقد أطلق على هذه العلاقة اسم (قانون هابل)، وذلك يعود بسبب التوسع المستمر الذي يحصل للمجرات في الفضاء أي أنه كلما زادت المسافة أكثر كان سرعة حركة تلك المجرة أكثر بكثير، ومن ثمَّ يمكن الاستنتاج أنه كلما ابتعدت مجرة ما أكثر عن الأرض، فإنها تكون قد قطعت زمناً أطول لتبتعد عن الأرض، ومنه فإن اكتشاف المجرات البعيدة عن الأرض كان يساعد كثيراً في تحديد عمر الكون، والذي تمَّ تقديره بالاعتماد على قانون هابل على أنه ما يقارب 13.5 مليار سنة، وكان لتلسكوب هابل الفضل الرئيسي في ذلك الاستنتاج على الرغم من عدم جاهزيته المطلقة في أول سنين إطلاقه. [3]

تلسكوب هابل واستكشاف حدود الكون

تلا إعلان إصلاح تلسكوب هابل في عام 1994 نجاح العديد من الاكتشافات التي وصلت إليها البشرية لأول مرة بفضل تلسكوب هابل، فمن استكشاف المجرة messier-87 وإثبات وجود ثقبٍ أسود ضخم في مركزها (حجمه يصل إلى أرباع أضعاف حجم المجموعة الشمسية)، واكتشاف وجود بخار الماء في الغلاف الجوي لإحدى أقمار المشتري.

أثبت تلسكوب هابل أنه أحد أهم أدوات الرصد الفضائي في عصرنا الحديث، إلا أن أحد أهم الإنجازات التي توصلت إليها البشرية بفضله كانت استكشاف (المجال العميق deep field)، ففي السابق كان من الصعب استكشاف الكثير من المجرات بسبب المسافة الشاسعة التي تفصلنا عنها مما يجعلها تظهر كخلاء أسود عبر المراصد الأرضية لأن الضوء الذي قد ينتج عن النجوم في ذلك المجال يتبدد قبل وصوله إلى المراصد الأرضية، ولكن بفضل وجود تلسكوب هابل في الفضاء، وإمكانية التقاطه للصور بزمن تعرضٍ ضوئيّ كبير استطاعت البشرية الحصول على الصور الأولى للمجال العميق في 1996 بعد أن كانت منطقته لا تمثل سوى فراغاً أسود بعين المراصد الأرضية لسنين طويلة. [4]

خضع تلسكوب هابل أثناء عمله إلى عدة تعديلات وتحسينات ضمنت بقاءه كمصدر لاستكشاف الفضاء، فاستطعنا الانتقال من استكشاف المجال العميق إلى المجال فائق العمق (ultra-deep field)، والمجال العميق الأقصى (extreme deep field) وصولاً إلى استكشاف المجرات التي تبعد مسافاتٍ شاسعةٍ جداً عن الأرض، وآخر هذه الاكتشافات هو التقاط صور لمجرة تبعد عن الأرض مسافة تقدر بحوالي 13 مليار سنة ضوئية، ويُعتقد أن هذه المجرة، والتي سُميت Gn-z11، تشكلت بعد نشأة الكون بحوالي 500 مليون سنة فقط، وقد تمَّ تصوير هذه المجرة عن طريق تلسكوب هابل في عام 2016، [5] مما يؤكد على أهميته على الرغم من اتجاه أنظار البشرية نحو التلسكوب جيمس ويب (بالإنكليزية james webb) الجديد ذو القدرة التصويرية الأفضل.

من الصعب حصر ما استطاع تقديمه تلسكوب هابل للبشرية من تغيير نظرتنا إلى الكون كما نعرفه إلى رصده وتفسيره للعديد من الظواهر التي كانت بمثابة الأحجية التي لم تستطع البشرية حلها من دونه، ومع إجراء آخر مهمة صيانة له في عام 2009، قُدِّر للتلسكوب الاستمرار بالعمل إلى عام 2030 على الأقل ليبلغ عمره الافتراضي عندئذ بحوالي 40 سنة، لتنتهي بها رحلة أحد أهم وأفضل الاختراعات العلمية في الزمن الحديث تلسكوب هابل.

المراجع البحثية

1- Freedman, W. L., Hughes, S. M., Madore, B. F., Mould, J. R., Lee, M. G., Stetson, P., Kennicutt, R. C., Turner, A., Ferrarese, L., Ford, H., Graham, J. A., Hill, R., Hoessel, J. G., Huchra, J., & Illingworth, G. D. (1994, June). The Hubble Space Telescope Extragalactic Distance Scale Key Project. i. the discovery of Cepheids and a new distance to M81. NASA/ADS. Retrieved March 29, 2023

2- Hubble takes major step in determining the age of the universe. HubbleSite.org (1993). Retrieved April 1, 2023

3- A. Bahcall, N. (2015). Hubble’s law and the expanding universe | PNAS. https://www.pnas.org. Retrieved March 29, 2023

4- Williams, R. E., & team, the H. D. F. (1996, July 31). The Hubble Deep Field: Observations, Data Reduction, and Galaxy Photometry. arXiv.org. Retrieved March 29, 2023

5- Oesch, P. A., Brammer, G., van Dokkum, P. G., Illingworth, G. D., Bouwens, R. J., Labbe, I., Franx, M., Momcheva, I., Ashby, M. L. N., Fazio, G. G., Gonzalez, V., Holden, B., Magee, D., Skelton, R. E., Smit, R., Spitler, L. R., Trenti, M., & Willner, S. P. (2016, March 1). A remarkably luminous galaxy at z=11.1 measured with Hubble Space Telescope grism spectroscopy. arXiv.org. Retrieved March 29, 2023

This website uses cookies to improve your web experience.